المنجي بوسنينة

718

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

معرفتنا بالمترجم له قد تأتّت عبر ما خلّفه هو نفسه من معلومات جاءت بإحدى طرّات خريطة العالم المنجزة ، فقد قدم التونسي بأسفل العامود الأيسر ضمن هذه الخريطة بعض المعطيات بشأن حياته : فأفادنا بأنه أصيل تونس وعاش بمدينة فاس المغربية حيث قرأ منذ صغره على يد شيوخ بمسجد مدينتها ، ونفترض أن يكون المسجد المشار إليه هو مسجد القرويين باعتباره قبلة طلبة العلم من كلّ الأصقاع ، فضلا عن كونه نقطة إشعاع حضاريّ ودينيّ وملتقى مسالك المعارف بين المغرب وأوروبا وجنوب الصحراء . ولعل ذلك ما حفّز المترجم له على التفرّغ للعلم والمثابرة في تحصيله طيلة سنوات ، بل وتكريس حياته للأمر مثلما أشار إلى ذلك في نصّه . وانصبّ اهتمامه خاصّة على التآليف المختصّة بالعلوم الجغرافية والرياضيّة والفلكيّة كما واكب مستجدات الحملات الاستكشافية وما ترتّب عليها من إثبات كرويّة الأرض من جهة والتعرّف على التفاصيل الخاصّة بالقارّة الجديدة من جهة ثانية . وأفادنا الحاج أحمد التونسي كذلك بأمر أسره من قبل القراصنة الإفرنج ، ثمّ بيعه إلى أحد أفاضل أمراء البندقية الذي عامله معاملة حسنة لمكانته العلميّة وزاده المعرفيّ ، فضلا عن نبل أخلاق سيّده وانتسابه هو الآخر إلى عالم العلم والتحصيل . ممّا سمح له بداية بمواصلة تعلّمه واطلاعه على التآليف الأوروبية المرتبطة بميدان اختصاصه . ثم كذلك بقيامه بكلّ طقوسه الدينية . ومثل هذا التسامح يعدّ استثنائيّا خلال تلك الفترة . وقد ذهب بعض الباحثين إلى افتراض أن يكون هذا السيّد ميشال منبري ( Michel le Membri ) الرحّالة العارف باللغتين العربية والعثمانية ومترجم مدينة البندقية الرسمي في اللغة العثمانية فيما بين 1550 - 1589 م ، إذ كشف المذكور في تأليفه الخاصّ برحلته إلى بلاد فارس ( طبع 1542 م ) أنّه كان مصحوبا أثناء رحلته تلك بأحد العبيد التونسيين ، فقد يكون هذا العبد هو الحاج أحمد التونسي المعنيّ بهذه الترجمة سيّما أنّ للرجلين أكثر من صلة بأمر خريطة العالم المنجزة من قبل التونسيّ باعتبار أنه كان مترجمها إلى التركية . ويخطئ أولئك الذين ذهبوا إلى أنّ الحاج أحمد التونسي قد أنجز خريطته ببعض البلاد الإسلامية إثر عتقه من الأسر ! ! ومثل هذه التخمينات غير سليمة بدليل أنّ التونسي يذكر أنّه أنجز عمله بطلب من سيّده من ناحية ، وأنّه يأمل من ناحية أخرى أن يتمّ خلاصه من بلاد الإفرنج تبعا لذلك ؛ « فيعود إلى بلاد الإسلام سليما عزيزا مكرّما » وهو ما يفيد بداهة بأنه ما زال عند إنجازه خريطة العالم عبدا وبالبندقية بالذات . وربّما فكّر التونسي ، بإيراده هذه المعلومات بطرّة الخريطة ، أن أحد أعيان الدولة العثمانية قد يتمزّى باشترائه من سيّده فيعتقه بفعل ما قدّمه من خدمة للعلم وللأمّة الإسلامية . آثاره عرف الحاج أحمد التونسيّ بوضعه خريطة للعالم باللغة التركيّة وهي الخريطة التي كانت منقوشة على 6 ألواح من خشب التفّاح تعطي عند تجميعها الأبعاد التالية 115 م طول * 121 عرض * 2 ، 5 سمك . وقد ضمّت 4 منها خريطة العالم ذاتها على حين اشتملت